محمد داوود قيصري رومي
663
شرح فصوص الحكم
بالنيران ونسوا نعيم الرضوان ، قالوا : ( سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص ) . فعند ذلك تعلقت الرحمة بهم ورفع عنهم العذاب ، مع أن العذاب بالنسبة إلى العارف الذي دخل فيها ، بسبب الأعمال التي تناسبها ، عذب من وجه ، وإن كان عذابا من وجه آخر . كما قيل : وتعذيبكم عذب وسخطكم رضى وقطعكم وصل وجوركم عدل لأنه يشاهد المعذب في تعذيبه ، فيصير التعذيب سببا لشهود الحق ، وهو أعلى ما يمكن من النعيم حينئذ في حقه . وبالنسبة إلى المحجوبين الغافلين عن اللذات الحقيقية أيضا عذب من وجه ، كما جاء في الحديث : ( إن بعض أهل النار يتلاعبون فيها بالنار ) . والملاعبة لا ينفك عن التلذذ وإن كان معذبا ، لعدم وجدانه أنه ما أمن به من جنة الأعمال التي هي الحور والقصور . وبالنسبة إلى قوم يطلب استعدادهم البعد من الحق والقرب من النار ، وهذا المعنى بجهنم أيضا عذب ، وإن كان في نفس الأمر عذابا . كما يشاهد هنا ممن يقطع سواعدهم ويرمى أنفسهم من القلاع ، مثل بعض الملاحدة . ولقد شاهدت رجلا سمر في أصول أصابع إحدى يديه خمسة مسامير غلظ ، كل مسمار مثل غلظ القلم ، واجتهد المسمر ليخرجه من يده ، فما رضى بذلك وكان يفتخر به ، وبقى على حاله إلى أن أدركه الأجل . وبالنسبة إلى المنافقين الذين لهم استعداد الكمال واستعداد النقص ، وإن كان أليما لإدراكهم الكمال أو عدم إمكان وصولهم إليه ، لكن لما كان استعداد نقصهم أغلب ، رضوا بنقصانهم ، وزال عنهم تألمهم بعد انتقام المنتقم منهم بتعذيبهم ، وانقلب العذاب عذابا . كما نشاهد ممن لا يرضى بأمر خسيس أولا ، ثم إذا وقع فيه وابتلى به وتكرر صدوره منه ، تألف به واعتاد ، فصار يفتخر به بعد أن كان يستقبحه . وبالنسبة إلى المشركين الذين يعبدون غير الله من الموجودات ، فينتقم منهم المنتقم ، لكونهم حصروا الحق فيما عبدوه وجعلوا الإله المطلق مقيدا . وأما من ( * )